حسن عيسى الحكيم
67
المفصل في تاريخ النجف الأشرف
مع الشمس . ولكن الجاحظ وهو العقلاني الوحيد ممن ذكر حكاية سنمار ، يرى أن النعمان قد خاف أن يبني سنمار مثل قصر الخورنق لرجل آخر من الملوك ، وهذا السر الذي أدى إلى قتله « 1 » . وقد تردد ابن خلدون في بيان رأيه القاطع في حكاية سنمار بقوله : ( من أجل محاورة وقعت اختلف الناس في نقلها واللّه أعلم بصحتها ) « 2 » . ولعل حكاية بناء الخورنق ومأساة سنمار لا تخلو من حقيقة ، وقد كشف عن بعضها الجاحظ في كتاب ( الحيوان ) ، وإن أحاطت بها الأساطير . ولعل اعتزال النعمان السائح عن الملك كان نتيجة إحساسه بالذنب الذي اقترفه بحق سنمار مهندس القصر . وما محاولته في الانصراف عن الدنيا ومباهجها إلّا ضرب من التكفير عن بشاعة الجريمة التي أصبحت مثلا للجزاء غير العادل . وإلى ذلك أشار الثعالبي بالقول : « يضرب به المثل للمحسن يكافأ بالإساءة » « 3 » ، حتى لقد أورد الكثير من الشعراء العرب هذا المثل في أشعارهم ، فيقول الشاعر العربي « 4 » : جزاني جزاه اللّه شرّ جزائه * جزاء سنمّار وما كان ذا ذنب سوى رصّه البنيان ، عشرين حجة * يعلّي عليه بالقراميد والسكب فلمّا رأى البنيان تمّ سموقه * وآض كمثل الطود ذي الشامخ الصعب وظنّ سنمّار متى تمّ ، * أنه يفوز لديه بالمودّة والقرب فقالوا اقذفوا بالعلج من فوق برجه * فهذا لعمر اللّه من أعجب الخطب
--> ( 1 ) الجاحظ : الحيوان 1 / 24 . ( 2 ) ابن خلدون : التاريخ 2 / 263 ( 3 ) الثعالبي : ثمار القلوب ص 138 . ( 4 ) ابن هشام : السيرة النبوية 1 / 91 . الجاحظ : الحيوان 1 / 24 . الزمخشري : المستقصى 2 / 52 الأخفش الأصغر : كتاب الاختيارين ص 713 .